مناقشة رواية ((علينا القاء الاصول وعليكم التفريع))

من كتاب الفوائد الطوسية للحر العاملي رحمه الله

روى عن الامام الصادق (ع) انه قال علينا إلقاء الأصول وعليكم التفريع  وفي رواية : إنما علينا ان نلقى إليكم الأصول وعليكم ان تفرعوا. أقول : قد ظن بعض المعاصرين ان الخبر دال على جواز الاجتهاد والاستنباط الظني وهذا الاستدلال ضعيف جدا بل لا وجه له أصلا والعجب ان المقداد أورده في أول التنقيح واستدل به على ذلك وفساد هذا الاستدلال يظهر من وجوه اثنى عشر :

أحدها : انه خبر واحد لا يكون حجة عندهم في الأصول كما اعترفوا به.

وثانيها : انه خبر واحد ومعارضه متواتر ان كان المراد منه ما فهموه فكيف يعمل بخبر الواحد مع مخالفة المتواتر.

ثالثها : ان سنده ودلالته ظنيان عند هم فكيف يجوز لهم الاستدلال به على جواز الاجتهاد الظني والاستنباطات الظنية والاستدلال دوري :

ورابعها : انه لا يفيد الا الظن بما قالوه وقد تقرر عندهم انه لا يجوز العمل بالدليل الظني في الأصول وقد خصوا الآيات والروايات المتواترة في النهي عن العمل بالظن بالأصول والحق انه تخصيص بغير مخصص فلا يجوز عندهم الاعتماد على مثله.

وخامسها : انه معارض بما هو أقوى منه كما أشرنا إليه فلا يجوز العمل بالأضعف.

وسادسها : انه موافق للعامة كافة كما لا يخفى ومعارضه غير موافق للعامة فتعين حمل هذا على التقية.

وسابعها : انه يحتمل للاحتمالات المتعددة التي يأتي بعضها وإذا قام الاحتمال بطل الاستدلال كما هو مشهور عندهم.

وثامنها : ان الأصوليين لا يجب عندهم الرجوع في الأصول الى الاخبار بل لا يجوز وانما يعتمدون فيها على الدليل العقلي كما صرحوا به في مواضع فلا بد من تأويل الخبر عندهم بما يأتي أو نحوه.

وتاسعها : انه لا تصريح فيه بالتفريع بالوجوه الظنية بل الآيات والاخبار المتواترة دالة على تخصيص التفريع المأمور به بما كان بالوجوه القطعية المفيدة للعلم وهو موافق لطريقة الأخباريين فلا بد من حمله على ذلك ولا ظهور له في التفريع الظني قطعا وعلى تقدير ظهوره فيه يتعين حمله على خلاف ظاهره جمعا.

وعاشرها : انه أخص من المدعى لأنه دال على التفريع على أصول الأئمة عليهم‌السلام المسموعة منهم الثابتة عنهم وهذا لا يشمل عشر معشار موضوعات الاجتهاد والاستنباط كما هو ظاهر لمن أنصف

وحادي عشرها : انه مخصوص بالتفريع على أصول الأئمة (ع) فما الدليل على جواز التفريع على أصول العامة المشهورة بين المتأخرين ، وعلى الأصول التي أثبتوها بالأدلة العقلية الظنية وهي أكثر من أن تحصى.

وثاني عشرها : انه لا يفهم منه الا التفريع على القواعد الكلية والعمل بالنص العام واستخراج أحكام جزئياته منه لأن الأصول هنا بمعنى القواعد الكلية قطعا ، وقد شاع في أحاديثنا استعمال الأصول بهذا المعنى ففي حديث دم البكارة عن ابى الحسن عليه‌السلام قال : سر الله فلا تذيعوه ولا تعلموا هذا الخلق أصول دين الله ثم ذكر قاعدة كلية يعرف منها دم البكارة من دم الحيض [١].

وفي حديث السهو والشك عن الصادق عليه‌السلام قال إذا شككت فابن على الأكثر فإذا سلمت فأتم ما ظننت انك نقصت فقيل له هذا أصل قال : نعم

وسئل عليه‌السلام عن قضاء صلاة المغمى عليه فقال كل ما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر ثم قال هذا من الالف باب التي علمها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله عليا عليه‌السلام يفتح كل باب منها ألف باب 

ومثل هذا في الأحاديث كثير جدا والغرض منه النص على حجية العمومات وشمولها لجميع الإفراد بشرط أن تكون ظاهرة الفردية ثم انه دال على وجوب الاقتصار في الأصول على ما ثبت عنهم عليهم‌السلام كما هو ظاهر من الحصر وأين هذا من قول الأصوليين ، ولا يظن ان اجراء حكم الكلى على جزئياته وحكم العام في أفراده ليس من التفريع بل ذلك من التفريع قطعا

وقد صرح علماء المعاني والبيان وغيرهم في مواضع كثيرة بقولهم هذه قاعدة كلية يتفرع عليها ما لا ينحصر من الصور الجزئية.

وقد صرح الشهيد الثاني في تمهيد القواعد بأن الأصل يستعمل بمعنى القاعدة الكلية التي يتفرع عليها جزئياتها وذكر أنه منه قولهم لنا أصل وهو ان الأصل مقدم على الظاهر ، وقولهم : الأصل في البيع اللزوم ، والأصل في تصرفات المسلم الصحة أي القاعدة التي وضع عليها البيع بالذات وحكم المسلم بالذات هذه عبارته قال : وأما قولهم الأصل في الماء الطهارة فيجوز كونه من هذا القسم وهو الأنسب وأن يكون من قسم الاستصحاب .

من تأمل كتاب تمهيد القواعد ظهر له انه كله من باب تفريع الكليات على الجزئيات وتفريع أحكام إفراد العام عليه لكن بعضها أكثر عموما من بعض كما ذكروه في الأنواع العالية والسافلة والمتوسطة والأجناس كذلك

وبالجملة فلا ريب انه لا يفهم من الحديث المذكور الا ان القاعدة الكلية المنصوصة عنهم عليهم‌السلام يجوز العمل بها في جميع أفرادها وان النص العام كان في الحكم على جميع افراده وانه لا يجب الاقتصار على النص الخاص ولا يشمل هذا الحديث جميع أقسام الاجتهاد والاستنباط إذ لا يفهم منه الا الرخصة في التفريع على الأصول التي يلقيها إلينا الأئمة عليهم‌السلام خاصة ومن نازع في ذلك فهو مكابر خارج عن الإنصاف وخالف المتواتر من أحاديث الأئمة عليهم‌السلام ..

ينظر الفوائد الطوسية _ للحر العاملي رحمه الله