مناقشة رواية ان أول من قاس إبليس …

يتظر الفوائد الطوسية للحر العاملي

حديث قياس إبليس مروي عن عدة طرق في الكافي وغيره وفي بعضها ان أول من قاس إبليس حيث قاس نفسه بآدم فقال خلقتني من نار وخلقته من طين فلو قاس الجوهر الذي خلق منه آدم بالنار كان ذلك أكثر نورا وضياء من النار 

أقول : لا يخفى ان المراد من الأحاديث المشار إليها ذم القياس وإبطاله بإبطال هذه الصورة ليظهر فساد القياس المتعارف وذلك من وجوه اثنا عشر.

أحدها : ان يكون المراد أن إبليس قاس نفسه بآدم فدله قياسه الفاسد على انه خير من آدم حيث انه خلق من النار وخلق آدم من طين وأخطأ في القياس فإنه لو عرف حقيقة ما خلق منه آدم وهو النور الذي هو أشرف من النار وأكثر ضياء منها لعلم ان قياسه معكوس عليه فان كان جاهلا بحال المقيس والمقيس عليه لم يجز القياس وكان فاسدا وان كان عالما كان أشد فسادا وكان كقول أبي حنيفة قال على وقلت انا.

فعلى التقدير الأول لا يعلم القياس وجه القياس فلا يحصل له العلم بالمساواة بين المقيس والمقيس عليه وقد يكون في الواقع القياس كقياس إبليس وعلى التقدير الثاني فالأمر أوضح فسادا حيث ترك ما يعلم الى ما لا يعلم كما ترك أبو حنيفة قولأمير المؤمنين عليه‌السلام الذي لا حجة فوقه الى القياس فظهر بطلان قياس إبليس وان لم يكن من قبيل قياس أبي حنيفة وأمثاله ومنه يظهر بطلان قياسهم من حيث انهم في أكثر المواضع التي عملوا فيها بالقياس خالفوا الأئمة عليهم‌السلام فاما ان يكونوا جاهلين بحال الأصل والفرع فلا يجوز لهم القياس أو عالمين فهم عليهم‌السلام اعلم منهم وعلى التقديرين يلزم بطلان القياس.

وثانيها : أن يكون المراد ان أصحاب القياس على تقدير علمهم بحال الأصل والفرع انما يعلمون الظاهر من حالهما وحكم الله عزوجل غالبا يكون متعلقا ببواطن الحقائق وأكثر الحكم الشرعية غير ظاهرة لنا فكل صورة من صور القياس يمكن ان تكون كقياس إبليس حيث قاس على ما ظهر له من حال النار والطين وغفل عن حال ذلك الجوهر والنور ولو علم به لعلم ان القياس باطل منعكس عليه.

وثالثا : أن يكون المراد ان ما من صورة من صور القياس الا ويمكن معارضتها بما هو مثلها أو أقوى منها كهذه الصور لكثرة الأصول التي يمكن القياس عليها وكثرة العلل التي يمكن استنباطها بل المنصوصة أيضا كما يظهر لمن نظر أحاديث العلل.

ورابعها : ان يكون المراد أن في هذه الصورة يدل القياس على بطلان القياس وكذلك أكثر صورة فيلزم منه بطلانه مطلقا هذا على تقدير كون قاس الثاني على وجه الحقيقة وهذا الوجه قريب من الذي قبله وفيه إشارة إلى جواز الاستدلال على الخصم بما يعتقده حجة وان كان في نفسه باطلا ولذلك ترى المتقدمين من أصحابنا يستدلون على المسائل في الظاهر بطريقة المخالفين وفي الباطن عملهم انما هو بقول المعصومين عليهم‌السلام صرح بذلك السيد المرتضى ره في رسالة أفردها لذلك.

وخامسها : ان يكون المراد ان أول من قاس إبليس الذي هو أعدى أعداء الله وأصفيائه وهو دال على ذم مطلق القياس بل إبطاله لأنه سنة عدو الله والباعث على خلاف مراد الله.

وسادسها : ان يكون المراد ان أول صورة اتفق العمل فيها بالقياس كان قياسها فاسدا باطلا منتقضا وهو دليل على ذم مطلق القياس أيضا.

وسابعها : ان يكون المراد ان أول قياس عمل به كان في مقابلة النص الصحيح الصريح الذي لا معدل عن العمل به بعد المراجعة والممانعة وهو دليل على ذم مطلق القياس كما مر ويشير اليه قولهم عليهم‌السلام ان أبا حنيفة كان يقول قال على وقلت ويضاف الى ذلك ما تقرر من ان لله في كل مسئلة حكما معينا منصوصا عليه عند الأئمة عليهم‌السلام فكل قياس لا تعلم موافقته النص ويحتمل كونه مقابلا فيكون فاسدا كقياس إبليس وما كان منه موافقا لا حاجة إليه بل يجب ان يكون العمل بالنص.

وثامنها : ان يكون المراد ان أول صورة عمل فيها بالقياس كانت مستلزمة للتكبر والافتخار والحسد ، ونحوها من المفاسد القبائح فظهر بطلان القياس وفساده.

وتاسعها : ان يكون المراد ان أول قياس عمل به كان سببا للفساد الكلى والجزئي الواقع في العالم [١] وناهيك بذلك دليلا على فساده وبطلانه فقد عرفت ان ذلك كان سبب كفر إبليس وعداوته لبني آدم وتسليطه عليهم فانجر الأمر الى كل فساد وقع في الأرض وكل فساد يقع الى يوم القيمة بل ولعذاب من يعذب ويخلد في النار أبد الآباد.

وعاشرها : ان القياس كان أول باعث على إنكار الشريعة ومقابلتها بالتكذيب واستعمال الظن في مقابلة العلم والعمل بالهوى والرأي وفي ذلك مفاسد لا تحصى

وحادي عشرها: ان أول صورة عمل فيها بالقياس كانت كبيرة وذنبا لا يغفر ولا يكفره شي‌ء.

وثاني عشرها : ان يكون المراد ان قياس إبليس بحسب الظاهر كان واضح الصحة والرجحان من حيث ان المخلوق من التراب مستحق لان تسجد له الملئكة فالمخلوق من النار يجب أن يكون أعظم رتبة منه فلا يجب السجود عليه لمن خلق من التراب كما لا يجب السجود على الثاني للأول وهو مع كونه بحسب الظاهر جليا فاسدا فكيف بالخفي ولا يدل على جواز القياس في منصوص العلة ولا قياس الأولوية لما يظهر من آخر الحديث من عدم استدلاله عليه‌السلام بالقياس على حكم أصلا ولو سلمنا استدلاله عليه‌السلام بصورة من القياس لم يدل على جوازه مطلقا لان من المعلوم ان علمهم عليهم‌السلام غير مستند الى القياس بل مأخوذ عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله عن الله عزوجل بل لو فرض استناد علمهم اليه وجوازه لهم لم يدل على جوازه لغير المعصوم كما لا يخفى والله تعالى اعلم.

وقد روى على بن إبراهيم في تفسيره بإسناده عن إسحاق بن جرير قال قال أبو عبد الله عليه‌السلام أى شي‌ء يقول أصحابك في قول إبليس خلقتني من نار وخلقته من طين قلت جعلت فداك قد قال ذلك وذكره الله في كتابه قال كذب إبليس لعنه الله يا إسحاق ما خلقه الله الا من طين ثم قال قال الله ( الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ ) خلقه الله من تلك النار وخلق النار من تلك الشجرة والشجرة أصلها من طين 

واعلم انه يفهم من الأحاديث المشار إليها ومن عدة أحاديث ومن عبارات جماعة من فقهائنا ان القياس كان يطلق عندهم على مطلق الاستنباط والاستدلال الظني لأنه يرجع الى القياس أو يكون دليل حجية القياس ومن تأمل الأحاديث تحقق ذلك ولهذا كانوا يطلقون المقاييس على جميع طرق الاجتهاد كما في مناقشات الصدوق ابن بابويه مع الفضل بن شاذان ويونس بن عبد الرحمن وهنا كلام آخر يأتي في بعض الفوائد ان شاء الله تعالى.